السيد محمد حسين فضل الله
56
من وحي القرآن
المال والاستيلاء عليه من جهته ، وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ أي : تلقوا بها إلى القضاة الذين ينظرون في قضايا الناس لإصدار الأحكام فيها ، وذلك قد يكون برشوة الحاكم الجائر المنحرف للحكم بالباطل ، وقد يكون بتقديم القضايا للمحاكم من خلال الحجة الباطلة ، والبينة الكاذبة ، والضغط القاسي ، واليمين الكاذبة ، للوصول إلى أخذ المال من غير حق بفعل الأساليب غير المشروعة . وقد روى المفسرون عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال للخصمين : « إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم ألحن « 1 » بحجته من بعض ، فأقضي له على نحو ما أسمع منه ، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا ، فإنما أقضي له قطعة من نار . فبكيا وقال كل واحد منهما : حقي لصاحبي ، فقال : اذهبا فتوخيا ، ثم أسهما « 2 » ، ثم ليحلّل كل واحد منكما صاحبه » « 3 » . وربما كان الظاهر من سياق الآية - على ما يخطر بالبال - أن المشكلة تتصل بالإدلاء بالأموال إلى الحكام ، بحيث تكون المسألة اتفاقا بين الاكل والحاكم للحكم بالباطل بواسطة الرشوة ونحوها ، لأن الآية تدل على الإدلاء بالأموال إلى الحاكم بمعنى تقريبها منه وجعلها في تصرفه ، ليحكم بها على مزاجه من خلال ما يقدم اليه منها من الحصة أو الرشوة . وهذا هو المستفاد من رواية الإمام الصادق عليه السّلام الثانية التي ذكرناها في صدر تفسير الآية . وفي ضوء هذا لا مجال للاستدلال بالحديث المروي عن النبي محمد صلّى اللّه عليه وآله على عنوان الآية ، واللّه العالم . لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ من خلال الوسائل غير المشروعة
--> ( 1 ) ألحن : أفطن وأعرف وأقدر عليها من صاحبه . ( 2 ) أسهما : اقترعا أي : اقصدا الحق في القسمة وليأخذ كل منكما ما تخرجه القرعة من النصيب . ( 3 ) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 340 .